شمس الدين السخاوي

132

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = وكشف الغطاء في هذا إنما يراد لغيره ولا يراد لعينه ، ينبغي أن يضاف إلى مقصوده ، إذ به يظهر فضله ، والدنيا ليست محذورة لعينها بل لكونها عائقة عن الوصول إلى الله - تعالى - ، والفقر ليس مطلوباً لعينه لكن لأن فيه فقد العائق عن الله - تعالى - وعدم التشاغل عنه ، وكم من غني لا يشغله الغنى عن الله - تعالى - كسليمان - عليه السلام - ، وكذلك عثمان وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما - . وكم من فقير شغله فقره عن المقصود وصرفه عن حب الله - تعالى - والأنس به ، وإنما التشاغل له حب الدنيا ، إذ لا يجتمع معه حب الله - تعالى - ؛ فإن المحب للشيء مشغول به ، سواء كان في فراقه أو في وصاله ، بل قد يكون شغله في فراقه أكثر ، والدنيا مشوقة الغافلين ، فالمحروم منها مشغول بطلبها ، والقادر عليها مشغول بحفظها والتمتع بها . وإن أخذت الأمر باعتبار الأكثر ، فالفقير عن الخطر أبعد ؛ لأن فتنة السراء أشد من فتنة الضراء ، ومن العصمة أن لا تجد ، ولما كان ذلك في طبع الآدميين إلا القليل منهم جاء الشرع بذم الغنى وفضل الفقر ، وذكر كلاماً كثيراً » . وقال القرطبي في « تفسيره » ( 5 / 343 ) [ سورة النساء : 95 ] - ونقل طرفاً منه ابن مفلح في « الآداب الشرعية » على إثر كلام ابن الجوزي السابق وفات المحققان توثيق النَّصين - : « وتعلّق بها - أيضاً - من قال : إن الغِنى أفضل من الفقر ؛ لذكر الله - تعالى - المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال . وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه ، وما أبطر من الغِنى مذموم ، فذهب قوم إلى تفضيل الغِنى ؛ لأن الغنيّ مقتدر والفقير عاجز ، والقدرة أفضل من العجز . قال الماوردي : وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة . وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر ، لأن الفقير تارك ، والغني ملابس ، وترك الدنيا أفضل من ملابستها ، قال الماوردي : وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة ، وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حدّ الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين ، وليسلم من مذمة الحالين . قال الماوردي : وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن « خير الأمور أوسطها » . ولقدأحسن الشاعر الحكيم حيث قال : ألا عائذ بالله من عدم الغِنى . . . ومن رغبةٍ يوماً إلى غير مرغبِ » قال أبو عبيدة : وكلام الماوردي في « أدب الدنيا والدين » ( ص 197 - ط . الأميرية ، سنة 1344 ه - - 1925 م ) وكلامه من نقل القرطبي السابق : « وقد اختلف الناس . . . » إلى آخره بالحرف دون ما يوهمه أنه المعزو له فقط . وانظر : « سياسة النفوس » لسنان بن قرة ( ت 331 ه - ) ( ص 55 - تحقيق عبد الفتاح الغاوي ) ، وسيأتيك في التعليق على ( ص 155 وما بعد ) تفصيل مطوّل محرّر - إن شاء الله - في التفضيل يؤكد المنوّه به هنا ، فانظره فإنه مفيد ، والله الموفق للخيرات ، والهادي إلى الصالحات .